حبرٌ ينتظر
لطالما ظننتُ أن الأشياء الصامتة لا تشعر، حتى تخيلتُ قلمًا بقي وحيدًا على رفٍّ قديم، ينتظر يدًا غابت عنه سنوات.
هذه قصيدة عن الانتظار، والحنين، وعن أشياء قديمة لا تنسى أصحابها بسهولة.
---
وحيدًا أقيمُ على رفٍّ قديم،
وأحنُّ إلى أيامٍ دفنتها السنين،
أستجدي يدًا توقظُ الحبرَ فيَّ،
فلا من مجيبٍ، ولا من معين.
وتمرُّ الأيّامُ من حولي صامتةً،
وأرقبُ كلَّ يدٍ تقترب،
لعلَّ يدًا أعرفها تحملني،
فلا أجدُ سوى الصمتِ يجيب.
وكم من يدٍ مرّت بقربي،
ولم تكن يدَ الحبيب،
فأسألُ الرفَّ في آخر الليل:
أترى الحبيبَ نسيني؟
تمضي السنينُ، ويغفو الغبارُ حولي،
حتى جفَّ حبري من طولِ انتظاري،
ويهمسُ لي صمتي: لعلَّهُ غابَ للأبد،
فأبقى أسائلُ بابَ الغياب: أينَ الحبيب؟
يرحلُ هو بلا اشتياق،
وأنا أنظرُ بكلِّ عتاب،
أراهُ يخرجُ من الباب،
وأكادُ أموتُ من الغياب.
أنتظرُ بصمتٍ طوالَ السنين،
وجفَّ حبري، وما جفَّ الحنين،
ولا أزالُ أنتظرُ جوابًا:
مَن يشتاقُ إلى الأحباب؟
وبعدَ سنواتٍ من الانتظار،
أراقبُ البابَ بكلِّ اشتياق،
وأرى نورًا يلوحُ من بعيد،
كأنَّهُ وعدٌ بعد طولِ الفراق.
فإذا بخطواتٍ أعرفُ صداها،
وإذا بالحبيبِ بعدَ الغياب،
لم يرحلْ يومًا بلا اشتياق،
ولكن أخفاهُ عني طولُ الغياب.
أنظرُ إليهِ بحبٍّ، وكلّي عتاب،
وكلُّ عامٍ من غيابهِ في القلبِ كتاب،
ويعودُ حبري الجافُّ للحياة،
وأبدأُ في الكتابةِ بكلِّ اشتياق.
أنظرُ إلى الرفِّ وأقول:
عادَ الحبيبُ، وكلُّهُ اشتياق،
لم ينسني طوالَ السنين،
ففي قلبهِ ظلَّ الحنين.
وعرفتُ يومَها، بعدَ طولِ الغياب،
أنَّ بعضَ الذكرياتِ لا تموت،
وأنَّ القلوبَ وإن باعدَتها السنين،
تظلُّ تعرفُ طريقَ الأحباب.
